نقد منشور (حين يكون الرّدّ على النّسويّة سبباً في انتشارها).
بدأ المنشور بمقدمة صحيحة:
فباب النّسويّة قد غفل عنه كثير من الدّعاة،
واهتموا بباب الإلحاد دون النّظر لذلك الباب الخلفيّ له (النّسويّة)، فتوضيح خطر
ذلك الفكر الإلحاديّ مهمّ جدًّا اليوم، لا سيما أنّه انتشر وتغلغل في المجتمع، حتّى
أنّه اخترق الصّفّ الإسلاميّ نفسه بتيّار أقلّ مصادمة وراديكاليّة، فإنّ ذلك التّيّار
يحاول التّوفيق بين الإسلام والحداثة، لا الإقصاء كما النّسويّة الصّريحة غير المتخفيّة.
ثم جاء في المنشور بعد المقدّمة
وهم في الحقيقة بعيدون كلّ البعد عن هدي الأنبياء في الإصلاح، ولا علاقة لهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
مثلًا: حين يقول أحدهم (القرآن هدم كل مقدّمات النّسويّة وأدلّتها حول المساواة بكلمة واحدة)؛ فإنّ ذهنك سينصرف إلى آية (وليس الذكر كالأنثى) أو (الرجال قوامون على النساء)؛ فهاتان آيتان في أساس الموضوع، ولكنّك تفاجأ بأنّ المغرّد يكتب بروح المناكفة: الكلمة هي (واضربوهن)،
ثم يزيد في مبالغته فيقول: إن هذه الكلمة من القرآن تقضي على فكرة الشراكة بين الزوجين!
وهو بهذا يربط بين رأيه الخاطئ القائل بأنّ (الزواج قوامة لا شراكة) وبين كتاب الله، فيجعل الآية متعلّقة بذلك!
وهذه جرأة في التّفسير لا مستند لها من لفظ الآية ولا من سياقها الذي ليس فيه نفي الشّراكة.
ومن المعلوم أن جُملة (واضربوهن) ليست هي الأساس في الاستدلال في هذا الباب ولا هي مركزية فيه كمثل قوله (الرجال قوامون على النساء) وقوله: (وليس الذكر كالأنثى) ولها سياقها الضيق، وشروطها، ولم يفعلها النبي ﷺ، بالإضافة إلى كثرة التطبيقات الخاطئة في الواقع لها، الخ..
ولكن
موجب المناكفات يحدد اختيار الآية!".
وهنا وقفة مهمّة
أوّل الخلل:
انظر إذًا إلى "حين يكون
الرد على النسوية سبباً في انتشارها" ثم انظر إلى " واعتبرت المرأة أنّ سُلطة الرجل
وإطاعته هي السبيل الوحيد في أسلوب الحياة الأسري، غير أنَّ الحداثة وضعت النظام
السابق تحت الدرس والتحقيق."
وللتأكيد: نسأل أيّ زمان كانت تعتبر فيه المرأة سُلطة
الرّجل أمرًا عاديًا؟
وفي تأثير الليبراليّة -التي هي وليدة الحداثة- على قضايا المرأة:
إذًا اعتبار أنّ ذلك سببًا في انتشارها ليس صحيحًا، وإنّما منهج مفتقد للدّراسة
الموضوعيّة في ملفّ النّسويّة من جهة، ومن جهة أخرى يفتقد فقه الواقع وما يجري من
تغييرات فيه، واعتبار النّساء مسكينات دائمًا، يتمّ امتحانهنّ من قبل الذّكوريّين
الظّالمين دائمًا، الذين ساعدوا في انتشار النّسويّة، كنوع من توضيح المظلوميّة،
فعندما يكون هناك شبهات نسويّة فـ "نوضّح مكانة المرأة في الإسلام"
وعندما يكون هناك تقرير بأصل العلاقة، ويوضّح الاختلافات، ويتكلّم عن الطّاعة يكون
"هؤلاء الذّكوريّون متطرّفون ويزيدون من انتشار النّسويّة" فماذا؟
"نستكمل سلسلتنا حول مكانة المرأة في الإسلام".
هل رأيتم الخلل؟ في جميع الأحوال يكون الرّدّ على الذّكوريّة و"مكانة المرأة
في الإسلام".
الخلل الثّاني:
نسأل:
2- ما تفسير (واضربوهنّ) التي يكون موقعها في نفس الآية التي ذُكرت فيها القوامة؟
" أي: إذا لم يرتدعن
بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهنّ ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن
جابر عن النبي ﷺ:
أنّه قال في حجّة الوداع : " واتّقوا الله في النّساء، فإنّهنّ عندكم عوان، ولكم عليهنّ
ألّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهنّ ضربا غير مبرح، ولهنّ رزقهن
وكسوتهنّ بالمعروف " .
وكذا قال ابن عباس وغير واحد : ضربًا غير مبرح . قال الحسن
البصريّ : يعني غير مؤثّر . قال الفقهاء : هو ألا يكسر فيها عضوا، ولا يؤثّر فيها
شيئًا .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يهجرها في المضجع، فإن
أقبلت وإلّا فقد أذن الله لك أن تضرب ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن
أقبلت وإلّا فقد حلّ لك منها الفدية ."[7]
ماذا نريد من ذكر التّفسير؟
بعدها أخذ الأمر يُعبّر أكثر عن الخلل "ثم يزيد في مبالغته فيقول: إن هذه الكلمة من القرآن تقضي على فكرة الشراكة بين الزوجين! وهو بهذا يربط بين رأيه الخاطئ القائل بأن (الزواج قوامة لا شراكة) وبين كتاب الله، فيجعل الآية متعلقة بذلك! وهذه جرأة في التفسير لا مستند لها من لفظ الآية ولا من سياقها الذي ليس فيه نفي الشراكة."
دعونا من الشخص المقصود بجملة (قوامة لا شراكة) فقد ردّ بنفسه على ذلك الكلام في تغريداته[9]
إذًا كيف تكون الطّاعة للزّوج، ولا تكون للمرأة، ثم نستحضر ونردّ هنا وهناك على مَن يقرّر ذلك المعنى، ونصفه بالمنفّر؟
ونتعمّد ذكر الشّراكة في كلّ موضع ونقد لما يتم وصفهم بِـ"الذكوريّين"؟ مَن الذي يتجرّأ هنا على التّفسير ليقرّر مصطلح الشّراكة النّسويّ؟
ما يُثير الغرابة والاستعجاب أنّ (هبة رؤوف عزت) تُؤكد على مضمون الشّراكة أيضًا،
لكنّها تستخدم مصطلح "الشّورى" وتجعل القرار يكون للرّجل والمرأة
والأطفال!
ولنا ردّ على كلامها "الشّورى أساس القوامة"[11] وردّ لأستاذ عمرو على
كلامها في نقطة الشّراكة "الشّورى"[12]
والأكثر غرابة أنّنا اعتمدنا على كتاب "التّفكير النّاقد" في نقد كلاهما!
نعم ستجد الرّدود تحاول أن تقول: "لا نقصد تلك الشّراكة، ولكن...".
الأمر لا يحتمل ولكن، ولا النّاس سُذّج لنقول لهم أنّ القصد أن تتعامل معه في
بيته، وتشاركه أنّها ربّة منزل في الدّاخل، وهو في الخارج!
نحن هنا نتكلّم عن الطّاعة والقرار الأخير والقيادة، فلا نريد التّأويلات المُرقِّعة
لإقحامنا في دائرة مغلقة لا آخر لها، وقُل بصراحة أنّ الطّاعة للرّجل لا المرأة،
ثم قرّر الإحسان والمودّة والرّحمة، لكن لا تقلب الفضل إلى أصل، وتُخفي الأصل، بل
تنتقد مَن يقرّره!
فعندما يكون المنشور يتحدّث عن التّنفير في زمن الانسلاخ عن الدّين، والنّشوز والتّمرّد
على الأزواج، فتستطيع أن تعرف أن تلك الدّعوة طبطبة لا معالجة للمشاكل.
وعندما تكون السّلسلة تتحدّث عن الاستثناءات مثل العمل، والخروج للدّعوة، والجهاد
للنّساء، دون التّفصيل في الأصل الذي عليه الإشكالات، فهذا هو عين الخلل الذي تمّ
نقده في المنشور أيضًا.
وفي الختام
[1] والحداثة هي منهجٌ يُنكر أيَّ قدرةٍ أو اعتبار أو احترامٍ للقدماء أو للسنن الماضية ويقوم بمحاربتها، وفي المقابل يُدافع عن أيّ فكرٍ حديثٍ وجديد، ولذلك كان من أهم خصائص الحداثة:
- العصريّة
-ومحاربة التقاليد.
[2] - كتاب فيمينزم (الحركة النسوية) مفهومها، أصولها النظرية وتياراتها الاجتماعية - نرجس رودگر تعريب: هبة ضافر-
[3] بتصرف من كتاب مفهوم النسوية د.أمل ناصر الخريفي -مركز باحثات-، ويمكن مراجعة الآتي: المرأة بين الفقه والقانون - ص 21، وأيضًا: قصة حضارة - لول ديورانت
[4] كتاب فيمينزم (الحركة النسوية) مفهومها، أصولها النظرية وتياراتها الاجتماعية - نرجس رودگر تعريب: هبة ضافر- ص39
[5] اقرأ من المنشور المجمع عن (المجتاو وأطفال الديجيتال): https://www.facebook.com/thehunterssociety1/posts/461661722252270
[6] تفسير ابن كثير
[7] تفسير ابن كثير
[8] ويجب أن
يكون الضّرب غير مبرّح، وغير مدمٍ، وأن يتوقّى فيه الوجه والأماكن المخوفة، لأنّ
المقصود منه التّأديب لا الإتلاف؛ لخبر: ( إنّ لكم عليهنّ ألاّ يوطئن فُرُشَكم
أحداً تكرهونه ، فإنْ فعلنَ فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح)
- الموسوعة الفقهية ( 10 / 24 )
[10] جامع البيان، ابن جرير الطبري، ج٤، ص٥٣٤، وجاء أيضا في الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي، ص٥٥
[11] مختصر أصول النسوية ص35
.png)
تعليقات
إرسال تعليق