القائمة الرئيسية

الصفحات

تنويه: لم ننتهي من المدونة بعد، والمحتوى غير مكتمل.

إثبات مُخالفة النِّسويّة للنّواميس الكونيّة


 


إثبات مُخالفة النِّسويّة للنّواميس الكونيّة

(المقال بشكل أساسي مستمد من كتاب: النسوية في ضوء منهج النقد الإسلامي - د.وضحى القحطاني-)


المقدّمة

كانت المرأة في الدّيانات اليهوديّة والنّصرانيّة (المُحرّفة) أصلَ الشرّ، والمسؤولةَ عن الخطيئة الأولى، مخرجةَ آدم -عليه السّلام- مِن الجنّة -كما زعموا-، وطبقةً ثانويّةً بالنّسبة للرّجل في الإنسانية، ولعنة، وليس لها حقوق، ومنبوذة ومضطهدة، وتُباعُ وتُشترى كما كان القانون الانكليزي حتى عام 1805م يبيح للرجل (بيع زوجته) بأقل ثمن.[1]
وكَردّة فعلٍ على هذا الظّلم الواقع عليها، وبعد التّغييرات التي حصلت خصوصًا ظهور الفكر الليبراليّ الذي مِن مبادئه المُساواة؛ ظهرت الحركة النّسويّة الموجة الأولى معتمدة على هذا المبدأ.

فَما هي النّسويّة؟ وما توجّهاتها؟
وهل أعادت النّسويّة للمرأة حقوقها وكرامتها أم أنّها جعلتها سلعةً وأخرجتها من فطرتها؟
وهل ما تُطالب به النّسويّات من مُساواة بينها وبين الرّجل تُحقّق لها السّعادة الحقّة أم أنّها تصبّ في مصلحةِ المُنتفعين مِن العلمانيّين، ودعاة تحرير المرأة، والطّامعين فيها سهلةً رخيصةً بلا عناء؟
ثمّ كيف يرى الإسلامُ المرأة؟ وكيف جعلها جوهرة مصونةً سيّدةً في خِدرها؟
وما هو العدل؟ وهل القوامة تكليفٌ أم تشريف؟
سَنُجيبُ إن شاء الله في مقالنا على هذه الأسئلة.


مدخل

النّاظرُ في المُجتمعات الإسلاميّة اليوم يراها تُعاني مِن حالة مِن الضّعف الشّديد والتّشرذم؛ فَضعف اقتصاديّ، وبُنى تحتيّة مُدمّرة، ونزاعات داخليّة، وصدامات خارجيّة، وعقول وقلوب مسلوبة مخدوعة بصورة الغرب المُصدّرة زَيْفًا وتضليلًا، بالإضافة إلى انحطاطٍ وبعدٍ عن تعاليم الدّين، وما تُكرّسه مِن قِيَم وأخلاق!

فَكان هذا الوضع المُزري، وحالة الضّعف هذه بابَيْن فُتحا على مِصراعيهما للأطماع الخارجيّة؛ فقد وجد الغرب في مجتمعاتنا بيئةً خصبةً لِبثّ أفكاره ومعتقداته، وتحقيق سلطته وسيطرته، وتثبيت الصّورة المزعومة في أذهان الشّعوب عنه؛ فهو الآمِرُ النّاهي فكريًّا، وهو المُضلِّلُ لها إنسانيًّا، وهو المُشوّهُ لها حضاريًّا؛ فبدأنا نتلمّسُ في مجتمعاتنا آثارَ ما يُسمّى بِ(الغزو الفكريّ) حاضرةً في شعوبنا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وحيث فطن الغرب أنّ المرأةَ هي حصنٌ أساسيّ للمجتمع الإسلاميّ، وأنّ صلاحها يتضمّن صلاحه، وفسادها يتضمّن فساده، فَكان التّركيز في غزوهم ذاك على المرأة، فجعلوا أنفسهم المُحرّرين رافعي الظّلم عنها، وجعلوها المُغيّبة المُضطهدة مسلوبة الحقوق ضحيّة الدّين والعُرف -كما زعموا-.


ولا ننسى وقت الاحتلال المباشر؛ فَمثلًا في الجزائر كان يُقاس مدى نجاحُ احتلالِ مكان ما بِتنازل المرأة عن حجابها[2]
واليوم هو احتلال غير مباشر كاحتلال العقول، وتشكّل الوعي والعولمة، وله نفس الهدف؛ فبدأ حِراك النّسويّة بالتّغلغل في المُجتمع المُسلم، وظهرت آثاره واضحةً جليّةً في مُسلمين -ظاهريًّا- يُنادون بِتحرير المرأة، ونسويّاتٍ -مُسلماتٍ ظاهريًّا- يُنادينَ بمساواتهنّ مع الرّجال.
فَما هي النِّسويّة؟ وما معنى المُصطلح ودلالته؟


النّسويّة؛ فِكرٌ واجتماعٌ وأيديلوجيّة.

أ- تزييفُ المُصطلح.

حين أرادَت النّسويّة الغربيّة التّغلغل في دول العالم الثّالث دون صِدام، وباسترضاءٍ للنّساء؛ خوفًا مِن رفضهنّ لِمصطلح يُشيرُ إلى الحركات التّحرّريّة التي ترفضها؛ قامت بترجمة مصطلح (feminist) بالنّسويّة، نسبةً إلى النّساء. بينما يرى بعض الباحثين أنّ ترجمته الدّقيقة هي: أنثويّ وليس نِسويّ؛ فترجمة نِسويّ هي: (womenist).

ومِن المُلاحظ أيضًا كَعلّة إضافيّة لاسترضاء النّساء في مجتمعاتنا أنّ (أنثويّ) تُشير إلى ضعفٍ ورقّة تُحاربها النّسويّة في المرأة؛ لذا كان منطقيًّا أن يكون المصطلح (نِسويّ) مُعبّرًا عن غاية هذه الحركة.

ب- ثوبٌ جديد لِفكرٍ أصيل.

عرّفَ (بام موريس) النّسويّة على أنّها مفهومٌ سياسيٌّ مبنيّ على مُقدّمتيْن منطقيّتيْن أساسيّتيْن، هما:

 -1أنّ بين النّوعين مؤسّسة تقوم على عدم المساواة بين النساء والرّجال، وتعاني النّساء بسببها من انعدام العدالة في النّظام الاجتماعي .

 -2إنّ انعدام المُساواة بين الجنسَيْن ليس نتيجة لضرورة بيولوجيّة؛ لكنّه ناتج عن الفروق التي تنشئها الثّقافة بين الجنسين.

وهي -أيْ النّسويّة- بهذا التّعريف قد ارتدت ثوبًا جديدًا لِعرض فِكرها وهو؛ ثوبُ الأدب.

فهل هي مفهومٌ سياسيٌّ أم حِراكٌ اجتماعيّ؟

ج- حِراكٌ مُضطرب!

يرى (د. محمّد عناني) أنّ النّسويّة حِراكٌ اجتماعيٌّ في أصله، انطلقَ من مُنطلقاتٍ أيديلوجيّة مختلفة، وسعى لتحقيق غاية اجتماعيّة هي: حقوق وتحرير المرأة، لكنّه حِراكٌ مُتعدّد المَشارب؛ فتشّعبت أفكاره وموضوعاته التي يسعى إليها.

وترى (د. وضحى القحطاني) أنّه وإذ تعدّدت مشاربه، وتنوّعت موضوعاته؛ لكنّه استطاع أن يدور في فلكٍ يضمّ أهمّ اتّجاهاته.

 

وبعدما تعرّفنا على مصطلح النّسوية، وعلى مُلابسات دخوله في مجتمعاتنا؛ وأكّدنا كونه أيدولوجيّة: "اعتقاد أنّ المرأة لا تُعامل بوجه المُساواة" -كما قالت سارة جامبل-؛ فَما هي أهمُّ مبادئ تلك الأيدولوجيّة؟


فلكُ النِّسويّة.

(الجنوسة، البطريركيّة، مواجهة المرأة للقمع الذّكوريّ، حقوق المرأة)؛ فلكٌ يدور فيه الفكر النِّسويّ، ولن يخرج عن مساره؛ حتّى يصل إلى نقطة مركزيّة هي مُناصرة المرأة؛ لِتحقّق مطلبها الأوحد: المُساواة.

أ- الجنوسة  (gender)   

الجنوسة هي النّوع أو الأصل، وترى التّكوين الجنسيّ ليس معيارًا للقيم الثّقافيّة، والفروق بين الرّجل والمرأة قد فرضها المجتمع بالقوّة.

لذا فإنّ النّسويّات يرفضن مصطلح (sex)؛ حيث يَرَيْنَ فيه فرض هيمنة الرّجل ودونيّة المرأة، وتتمسّك بمصطلح (gender)؛ وترى فيه إنصافًا للمرأة، وتحرّرًا مِن الرّجل.

الخطيرُ في هذا المُصطلح أنّه وجد قبولًا في العالم العربيّ، فقد كانت مِن أشدّ النّسويّات حماسًا له:
(د. رجاء بن سلامة) التي تناولت فكرته في كتابها (بنيان الفحولة)، فبيّنت فيه ما يُفضي إليه (الجندر) مِن
:

مُساواة إنسانيّة؛ فلا تفاضل بين الذّكر والأنثى -كما تراه بعض النّسويّات العربيّات-.

تفضيلُ المرأة على الرّجل -كما تراه نسويّات عربيّات أُخريات-.

وكانت هي مِن مُؤيّدي الرأي الأوّل.

ب- البطريركيّة.

البطريركيّة لغةً تتكوّن مِن كلمتَيْن يونانيّتَيْن تعنيان معًا (حكم الأب)، أمّا اصطلاحًا فَقد عرّفتها الدّراسات الإنسانيّة (الأنثروبولوجيا) على أنّها: هيمنة السّلطة التي يُمارسها الذّكَر على مجموعة مِن النّاس أو المجتمع، وتحديدًا حول النّساء والأطفال.

"وقد انطلقت النّسويّة مِن المفهوم الأنثروبولوجي للبطريركيّة مع توظيفها له على حقيقته، وتأويله مجازًا؛ حيث تقول الباحثة (خديجة العزيزي):
"والبطريركيّة لغةً تعني الأب، باعتباره قائد الأسرة أو القبيلة، ومجازًا راعي الكنيسة
."

وهنا كان رفض النّسويّات للبطريركيّة رفضًا للسلطة الدّينيّة، بجانب رفض سلطة الذّكر.

 

وقد عزت المُفكّرات مصدر البطريركيّة لحقل الإيديولوجيا الذي اعتبرنه نظامًا يُسهّل هيمنة

الرّجل على النّساء، واقترحن ضرورة إعادة استخدام مفهوم البطريركيّة للإشارة إلى الحكم الأبوي الذي يُمارسه الزّوج على زوجته، وعلى أبنائه، وعلى أيّ فرد مِن أفراد أسرته التي يُعيلها.

وقد صرّحت (ميشيل بارت) بأنّ مفهوم البطريركيّة له أبعاد كثيرة تشمل كلّ أشكال هيمنة الرّجال على النّساء". [د. وضحى القحطاني، (النّسويّة في ضوء منهج النّقد الإسلامي)].

 

فَكيف ترى المرأةُ الرّجلَ القائدَ بِنظّارتها النِّسويّة؟

ج- القمع الذّكوريّ:

تنظرُ المرأة للرّجل على أنّه نِدّ و(آخَر).

ويُراد بِـ(الآخر): إقصاء كلّ ما لا ينتمي إلى نظام فرد أو جماعة أو مؤسّسة.

فَترفض النّسويّة الرّجل رجلًا، وترغب في مُساواتها له نِدًّا.
حتّى أنّها لم تكتفِ بالمُطالبة بِجعلها ندًّا في شؤون الحياة بأكملها على اختلافها وتنوّعها؛ بل تعدّت ذلك إلى محاولات بائسة لِضرب أساس الزّواج، وجعل عقد النّكاح قوةً أبويّةً ذكوريّةً تُمارسُ قوّة على أساس أنّها حقوقٌ زوجيّة
.

فكيف ترى النّسويّات الطّريق الموصل بها إلى ما تُريد لا ما يُريد الرّجل؟

د- حُقوقُ المرأة:

اقترحت (سيمون دي بوفوار) ثلاثة إجراءات تُعين المرأة على تجاوز كونها كما يريد الرّجل لا كما تريد هي -على حدّ زعمها-، وهذه الإجراءات هي:

أن تُمارس العمل حتى وإن كان قامعًا أو مستغلًّا؛ ففي العمل تثبت تعاليها، وأنّها ذات.

أن تُمارس نشاطًا فكريًّا؛ فالنّشاط الفكريّ يتيح لها تغيير المجتمع.

أن تحرص أن تكون مستقلّة اقتصاديًّا عن الرّجل؛ لأنّ مفتاح تحرّر النّساء الاقتصاد.

 

فهل تحتاجُ المرأةُ لكلّ هذا العناء حتّى تعيش بِكرامةٍ وسعادة؟

النّسويّة، استقرارٌ أم خسارة؟

أ- وعيٌ وسعي:

على المرأة في عصرنا هذا أن تكون على وعيٍ بالتّصوّر الإسلاميّ لها؛ حتّى لا تنخدع بخطابات النِّسويّات ودعوات التّخلّص مِن القمع الذّكوريّ، والمُطالبة بحقوق المرأة؛ فحقوقٌ قد كفلها لها الشّرع أنّى لها أن تبحث عنها في بيئة وعقيدة مُغايرة!

 

إنّ البيئة التي ينشأ فيها المرء تُكسبه من الطّباع ما لا يستطيعُ عنها فِكاكًا؛ فهي إن حاولت أن تُغيّر طباعها بما يتناسب مع بيئة وعقيدة مُغايرة؛ فستبقى في المُنتصف، لا استقرارًا حقّقت، ولا زيادة حصّلت، بل هو نقصٌ من جميع الجوانب؛ خسارة دين ودنيا!

 

ثمّ إنّ الإسلام هو المُنصف الوحيد للإنسان، وتباعًا للمرأة، فقد كرّمها، ووهبها حقوقها كاملة، وأرسى لهذه الحقوق قواعد تكفلها لها، وتحافظ عليها.

 

فما هي هذه القواعد؟ وكيف يرى الإسلام المرأة؟


ب- المرأة المُسلمة، قواعد وحقوق.

عاملَ الإسلامُ المرأةَ بقواعدٍ ثلاث ذكرتها د. وضحى القحطاني في كتابها (النّسويّة في ضوء منهج النّقد الإسلامي)، نذكرها هنا بتصرّف بسيط:

القاعدة الأولى:

المرأة كالرّجل في الإنسانيّة سواء بسواء، لا فرق بينهما في ذلك بأيّ حال؛ قال -ﷻ-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}.

وقال أيضًا: {وَأَنَّهۥُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأنُثَى}.

وقال رسول الله -ﷺ-: "إنّما النّساء شقائق الرّجال".

 

ويتّضح مِن الآيات الكريمة، والحديث الشّريف أنّ العلاقة بين الرّجل والمرأة مِن ناحية إنسانيّة هي علاقة تكامليّة.

فالتنوّع ووجود جنسَيْن مختلفَيْن منذ بدء الخلق تُؤكّده الآيات، وهذا التنوّع غايته التّكامل، وأساسه التّفاوت في الطّاقات والقدرات التي يمتلكها الرّجل والمرأة؛ كلٌّ على اختلافه.

القاعدة الثّانية: العدل.

إنّ المُساواة في وظائف الحياة وطرائقها هي ممّا لا يمكن تنفيذه، ولا تسعى إليه عاقلة.

فَمِن رحمة الله وعدله أن جعل مهمّة كلّ من المرأة والرّجل متلائمة مع بنائهما الجسميّ والنّفسيّ؛ فالمرأة مهمّتها صناعة الرّجال، وهندسة الأجيال؛ والرّجل مهمّته السّعي، والحركة، والضّرب في الأرض، والإنفاق على المرأة وأطفالها، ثمّ إنّهما يلتقيان في مهمّة مشتركة هي: طلب العلم، والدّعوة.

قال -ﷻ-:{إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}، وهذا يُؤكّد الاختلاف في المهمّة والأهداف، الذي تبعه الاختلاف في طبيعة كليْهما -الرّجل والمرأة-.

القاعدة الثّالثة:

كرّمَ الإسلامُ الإنسانَ، وعليه فَكرّم المرأة بتأكيد براءتها مِن التّهم المُوجّهة إليها مِن رجال الدّيانات المُحرّفة، وكشف زيْف ادّعاءاتهم.
وممّا يُبيّن ذلك الآيات التي نزلت في آدم وزوجه حوّاء -عليهما السّلام-؛ قال -ﷻ-: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا}.

وفي هذا إثبات بأنّ المرأة ليست أصل الخطيئة بل كانت الخطيئة مشتركة بين آدم وزوجه.
 

كما أنّ الله ﷻ أفرد آدم بذكره حين ذكر الغواية: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى}. وأفرده بالشّقاء، كما في قوله ﷻ: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلجَنَّةِ فَتَشْقَى}.

وهنا لفتة لطيفة تُبيّن أصل العلاقة بين الرّجل والمرأة؛ فشقاء الرّجل يتضمّن شقاء المرأة، وسعادته تتضمّن سعادتها."

 

كما أنّ المهمّة الأصعب هي من مهمّات الرّجل لذلك كان ذكر الشّقاء منسوبًا له وحدَه، وقد قال الشّيخ الشّعراوي في تفسير قوله ﷻ: "فَتَشْقَى" أنّ الله ﷻ جعل الشّقاء للرّجل دون المرأة؛ فقال: "فَتشقى"، ولم يقل: "فَتشقيا"؛ لأنّ كفح الحياة للرّجل، والمرأة السّكن المُريحُ المُنشّطُ لِصاحب الحركة، وفي ذلك ردّ على مَن يوجبون عمل المرأة كأنّه ضرورة مِن ضروريّات الحياة، رغم أنّه مُباح بضوابط للمرأة مثل العمل لحاجة، بينما هو واجبٌ على الرّجل! [3]

 

فَهل مِن العدل أن تتساوى المرأة مع الرّجل مع اختلافهما؟


المرأة المُسلمة والعدل.

أ- العدل والمُساواة؛ مفهوم ودلالة.

تُعرّف المُساواة على أنّها التّسوية بين الأشياء المُتماثلة والأشياء المُختلفة؛ بحيث يحصل كلّ فرد على ما يُريد، بغضّ النّظر عن استحقاقه، ونتائجِ حصوله على ما يُريد.

فكلّ الأفراد هُنا تحصل على مكانة مُتساوية دون إنصاف.

أمّا العدل فهو: المُساواة بين المُتماثلات، والتّفريق بين المُختلفات؛ فيأخذ كلّ ذي حقّ حقّه، مع عدم حصوله على كلّ ما يُريد.

وهنا إنصافٌ لكلّ الأطراف، ومِن كلّ الجوانب.

فالعدل إذن هو الأكمل والأشمل؛ فلو ساوى المرء بين المُتماثلاتِ والمُختلفات لَظلمَ وجار، ولو ساوى بين المُختلفات لَظلمَ وجار، ولو فرّق بين المُتماثلات لَظلمَ وجار.

 

لذا لم يأمر الله ﷻ بالمُساواة بل أمرَ بالعدل: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}.  [سورة النّحل، 90].

قال السّعدي: "فَالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقِّه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة؛ بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقِّه وحقِّ عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، ...".

 

فلو عقلت المرأة المُسلمة المُتأثّرة بالنّسويّة لَوَعت معنى العدل، ولما التفتت إلى دعوات المُساواة بينها وبين الرّجل.

ب-إضاءة:

قال ﷻ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأسَمَاءَ كُلَّهَا}.

"والصّحيح أنّه علّمه أسماء الأشياء كلّها: ذواتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس.

وهذا مقام ذَكر الله جل جلاله فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصّه به مِن علم أسماء كلّ شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له."[4].

 

ويرى المُتدبّر لهذه الآية أهميّة العلم أوّلًا، وأهميّة الأسماء ثانيًا، فلم يقل ﷻ: (الأشياء) بل قال: (الأسماء).

 

فلو أسقطنا الأمر على حديثنا هنا عن العدل والمُساواة؛ لَفَطِنّا إلى دورنا الأهمّ في تقديم المعرفة لمن يجهلها، فَنحن نتعرّض كمجتمع مسلم إلى هجمة على كلّ ما يمتّ للإسلام بِصلة، فحتّى الأسماء أو المُصطلحات تُحارَب، وتُستبدَل أخُرياتٍ بِدلالةٍ جديدة.

فالنّسويّة مثلًا حين تُطالب بالمُساواة، لا يغيب عنها معنى العدل ودلالته، بل تعتمد على جهل النّاس بمعاني المُصطلحات ودلالتها.

تمامًا كما تُحارب مصطلح القوامة باستبداله بمصطلح الاضطهاد والقمع الذّكوريّ.

 

فَهل القوامة قمع واضطهاد؟

ج- القوامة، تكليف وتشريف:

إنّ أحكام الإسلام قامت على العدل والتّكامل؛ فَراعت بناء الرّجل والمرأة، ووظائفهما، وتركيبتهما النّفسيّة والعاطفيّة المختلفة، فجعلت وظيفة المرأة الأساسيّة بيتها، ووظيفة الرّجل الأساسيّة خارج بيته؛ باحثًا عن الرّزق؛ ليكفي زوجته مؤونة الحاجة والخروج؛ فتتفرّغ لمهمّتها، وداخل بيته قوّامَ زوجته، حاكمها وكبيرها، يُحسن إليها، ويُصلحها، ويقوّمها إن اعوجّت. ويحيط تعاملهما جدارٌ مِن المودّة والرّحمة ألقاها الله بينهما برحمته؛ قال ﷻ: {وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِّتَسْكُنُواْ إِلَيهَا وَجَعَل بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَءَايَتٍٍ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ}. [سورة الرّوم، 21].

 

فأساسُ العلاقة السّكن، وجدارها المودّة والرّحمة، وسقفها قوامة تكليفيّة -بما أنفق الرّجل على زوجه-، وتشريفيّة -بما فضّل الله الرّجل على المرأة-: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. [سورة النّساء، 34].

 

لكنّ الإسلام إذ جعل للزّوج القوامة لم يُضيّق على المرأة فيما فيه سعةً؛ فلا تضييق على المرأة، ولا حجزًا لها في حيّزٍ؛ فَلها أن تكون كما تريد ما دامت لا تخالف الشّرع، ولا تحاول سلب الرّجل قوامته؛ فإذا وجدت المرأة في بيئةٍ جديدة ما يُخالفُ ما فيها من طِباع مثلًا؛ فلتعرضها على الشّرع أوّلًا، فإن وافقته؛ فلها أن تشرع في التّغيير بما تراه سبيل سعادتها، فهنا لا جَرَمَ مِن التّغيير؛ وهي تكون في زيادةٍ لا في نقصان.

 

يقول عمر -رضي الله عنه- في وصف ما حدث لنساء المهاجرين بعد انتقالهنّ إلى المدينة، واختلاطهنّ بنساء الأنصار: "وكنّا معشر قريش نغلب النّساء -الكلمة للرّجل- فلما قدمن على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم -المرأة فيهم كلمتها لها وزن- فطفق نساؤنا يأخذن مِن أدب نساء الأنصار". [رواه البخاري: 2468].

 

لاحظ هنا؛ طفقت نساء المُهاجرين يأخذن مِن ((أدب)) نساء الأنصار؛ هنا كانت بيئة مُغايرة، وطباعٌ جديدة على نساء المُهاجرين، ويُفهم من الحديث أنّ عمر -رضي الله عنه- لا يعجبه ذلك مِن النّساء؛ لكنّه إذ عرضه على الشّرع؛ وجده لا يُخالفه، فكانَ الأخذُ لا شيء فيه، بل قد زادَ على ذلك بِوصفه من الأدب!

فَللمرأة أن تكون ما تريد ما دامت لله كما يُريد، وتُؤدي دورها الحيويّ في المجتمع كما يجب؛ كزوجة وأمّ أوّلًا، وكَشقيقة للرّجل مُعينة له على أداء دوره في المُجتمع ثانيًا.

النّتائج والخاتمة

قُمنا بِفضل الله وتوفيقه بِتوضيح مفهوم النّسويّة، وما ارتكزت عليه مِن توجّهات، ثمّ عرضنا التّصوّر الإسلاميّ للمرأة، كما بيّنّا الفرق بين المُساواة والعدل، ووضّحنا مفهوم القوامة.

 

ونختم مقالنا بنقطةٍ مركزيّة دُرنا في فلكها منذ منتصف المقال تقريبًا، ونودّ أن يصل إليها القارئ بِنفسه بتفكّره بما قرأ؛ لذا نرجو منك عزيزي القارئ أن تُحاوِل استنتاجها قبل أن تقرأها في خِتامِ المقال.

 

نقتبسُ مِن كلامِ د. وضحى التي اعتمد مقالنا على كتابها بشكل أساسيّ، ثمّ أختمُ بتلك النّقطة المركزيّة:

"يُظهر تقرير (U.S.A TODAY) الذي تحدّث عن الوضع في الولايات المُتّحدة أنّ:

80% من الأمريكيّات يعتقدن أنّ (الحُرّيّة) التي حصلت عليها المرأة خلال الثّلاثين عامًا الماضية هي سبب الانحلال والعنف في الوقت الرّاهن.

% 75 يشعرن بالقلق لانهيار القِيَم والتّفسّخ العائليّ.

80% يجدن صعوبة بالغة في التّوفيق بين مسؤوليّاتهنّ تجاه العمل، ومسؤوليّاتهنّ تجاه الزّوج والأولاد.

87 % يرَيْن أنّه لو عادت عجلة الحياة للوراء لاعتبرن المُطالبة بالمُساواة مؤامرة اجتماعيّة ضدّ الولايات المُتّحدة، وقاومن اللواتي يرفعن شعاراتها.".



خِتامًا:

ليس هذا إلّا للمُؤمنة!

إنّ التّكريم والإعزاز الذي وهبه الإسلامُ للإنسان، وكَتخصيص: للمرأة، وأرسى له القواعد، وجعل له دستورًا يكفله لا يكون سوى لِمن حقّق العبوديّة لله، وسلّم له، ورضي بحكمه؛ ففاز، وحازَ سعادة الدّنيا والآخرة؛ لا مَن انبهر بالنّسويّات ودعواتهنّ النّابعة من انتكاسة الفطرة، ومُصادمة السّنن الكونيّة؛ فَخابَ، وخسرَ الدّنيا والآخرة.

 

فإنّ المرأة المُنبهرة بالنِّسويّات كَالواضعة في يدها جمرة؛ لا الجمرة تنطفئ، ولا اليد تبرأ!

فَهي المهزومة مِن حيث أرادت الانتصار!

وهي المَخذولة ممّن ادّعوا أنّهم يُريدون لها النُّصرة!

 

وأنّى لِمن أرادَ أن يُخالف شرع الله وفطرته أن يهنئ!

 

وأنّى لكِ أن تحاربي شرع الله ثمّ تنتصري!

 

فانظري ماذا ترين!



  [1] قصة حضارة - لول ديورانت  https://t.me/thehunterssociety/5 

[2] حجاب المرأة رمز المقاومة: https://www.youtube.com/watch?v=LckVLYdnPcU

[3]  انظر لذلك النقد: https://t.me/thehunterssociety/1301

[4]  (تفسير ابن كثير).

تعليقات

التنقل السريع